نصر حامد أبو زيد

242

الاتجاه العقلي في التفسير

اثبات المعرفة الحسية إذا كانت تؤدي إلى سكون النفس إلى ما تتناوله من المدركات . وقامت هذه النظرة عندهم على أساس أن الادراك عملية محايدة من جانب المدرك لا تؤثر فيما يدركه سلبا أو ايجابا . أمّا المعرفة العقلية فهي تلك التي تتم عن طريق النظر في الأدلّة نظرا صحيحا . وبهذا النظر يستطيع الانسان الانتقال من العقل الفطري - العلوم الضرورية - إلى العلوم النظرية ، وهي المعرفة . ولقد كان من الطبيعي أن تتحدد وظيفة المعرفة عند المعتزلة بأنها معرفة اللّه بصفاته من التوحيد والعدل ، ثم معرفة أوامره ونواهيه ، وذلك حتى يستطيع أداء ما كلفه اللّه به من الأعمال التي تؤدّي به إلى الثواب ، وتنجيه من العقاب . ونتيجة لذلك انقسمت الأدلّة عندهم إلى أنواع ثلاثة ، يؤدي كل نوع منها إلى مرحلة من مراحل المعرفة الدينية . فالنوع الأول من الأدلّة هو الذي يدلّ بالوجوب ، وذلك كدلالة الفعل على الفاعل . وهذا النوع من الأدلّة هو الذي يؤدي إلى التوحيد . والنوع الثاني من الأدلّة هو الذي يدلّ بالدواعي والاختيار ، وهذا النوع هو الذي يؤدّي إلى معرفة أفعال اللّه ، ويؤدي بنا إلى معرفة عدله . والنوع الثالث من الأدلّة هو الذي يدلّ بالمواضعة والقصد ، وذلك كدلالة الكلام على ما يدل عليه . وهذا النوع يؤدّي بنا إلى معرفة كلام اللّه وأوامره ونواهيه . ولقد انتهى المعتزلة إلى أن هذه الأنواع الثلاثة يترتب بعضها على بعض ترتب النتيجة على المقدمة ، بمعنى أن كلام اللّه لا يقع دلالة إلّا بعد معرفة صفاته من التوحيد والعدل . ولقد كان من الطبيعي أن يختلف الأشاعرة مع المعتزلة في ترتيبهم أدلّة الشرع على أدلّة العقل . ومن ثمّ اعتبروا كلام اللّه دالّا بمفرده على ما يدل عليه . وقد انعكس هذا الخلاف بدوره على شروط الدلالة اللغوية ، حيث اشترط المعتزلة - إلى جانب المواضعة - معرفة قصد المتكلم وحاله لوقوع كلامه دلالة . وهذا شرط لم يشر له الأشاعرة من قريب أو من بعيد . وإذا كان المعتزلة والأشاعرة قد اتفقوا على أن المواضعة شرط لدلالة الكلام فقد اختلفوا في أصل المواضعة على اللغة ، هل هي توقيف من اللّه أم اصطلاح ؟ وكان هذا الخلاف بدوره امتدادا لخلافهم حول قدم القرآن وحدوثه . فقول الأشاعرة بقدم القرآن أدّى بهم إلى أن المواضعة أصلها التوقيف من اللّه ، وذلك لاعتبارهم الكلام صفة ذاتية قديمة . وعلى العكس من ذلك ذهب المعتزلة تأسيسا على أن الكلام صفة من صفات الفعل لا من صفات الذات . ومن جهة أخرى فقد ربط المعتزلة بين المواضعة والإشارة الحسية ، وهي إشارة لا تجوز على اللّه ، ولذلك ذهبوا إلى أن المواضعة اللغوية